في واقعة إنسانية استثنائية حبست الأنفاس،
تمكنت مجموعة من سكان جزيرة نائية في دولة كيريباتي من إنقاذ خمسة أشخاص،
بينهم طفلان، بعد بقائهم تائهين في مياه المحيط الهادئ قرابة ثلاثة أشهر،
إثر انجراف قاربهم الصغير لمسافة تقدر بنحو 5400 كيلومتر بعيدًا عن نقطة انطلاقه،
في رحلة تحولت من عبور بحري قصير إلى مأساة طويلة انتهت بإنقاذ خمسة من ركاب القارب،
بينما لا يزال مصير أربعة آخرين مجهولًا.
وبحسب المعلومات التي أوردتها تقارير إعلامية دولية،
كان الأشخاص التسعة قد غادروا جزيرة موريلو في جمهورية ولايات ميكرونيسيا المتحدة يوم 30 يوليو الماضي،
متجهين إلى جزيرة روو، في رحلة بحرية كان من المفترض ألا تستغرق أكثر من ساعة واحدة.
لكن الأحوال الجوية تغيرت بصورة مفاجئة،
وتعرض القارب لعاصفة قوية دفعته بعيدًا عن مساره،
ليبدأ رحلة انجراف طويلة وسط المحيط، بعيدًا عن المناطق المأهولة وطرق الملاحة المعتادة.
قارب صغير يقطع آلاف الكيلومترات بعيدًا عن وجهته
لم يكن ركاب القارب يتوقعون أن تتحول رحلتهم القصيرة بين الجزيرتين إلى رحلة بقاء قاسية تستمر قرابة ثلاثة أشهر،
إذ تسببت العاصفة في فقدان السيطرة على مسار القارب،
وظل ينجرف مع التيارات البحرية حتى وصل إلى منطقة بعيدة للغاية عن مكان مغادرته.
وتشير التقديرات إلى أن القارب قطع مسافة تقارب 5400 كيلومتر باتجاه الشرق،
قبل أن يظهر بالقرب من جزيرة فانينغ التابعة لدولة كيريباتي،
وهي منطقة نائية تقع ضمن مجموعة جزر لاين في وسط المحيط الهادئ.
وتكشف المسافة التي قطعها القارب عن حجم المعاناة التي واجهها الركاب خلال فترة بقائهم في عرض البحر،
في ظل محدودية الإمدادات وصعوبة الحصول على الغذاء والمياه الصالحة للشرب.
خفر السواحل الأمريكي يوقف عمليات البحث بعد أيام من المحاولات
وكانت السلطات قد أبلغت خفر السواحل الأمريكي باختفاء القارب بعد فشله في العودة إلى جزيرة روو في الموعد المتوقع،
لتبدأ عملية بحث واسعة شاركت فيها وحدات من خفر السواحل،
إلى جانب دعم من البحرية والقوات الجوية الأمريكية.
واستمرت عمليات البحث لمدة عشرة أيام،
وشملت مساحات بحرية واسعة قدرت بنحو 85 ألفًا و700 كيلومتر مربع،
كما جرى تمشيط مناطق كبيرة من المحيط دون العثور على القارب أو ركابه.
ومع غياب أي مؤشرات على موقعهم،
تقرر تعليق عمليات البحث في التاسع من أغسطس،
لتنتهي العملية الرسمية دون الوصول إلى المفقودين في ذلك الوقت.
سكان جزيرة فانينغ يعثرون على القارب وينقذون الناجين
وجاءت نقطة التحول يوم الأحد الماضي،
عندما لاحظ سكان جزيرة فانينغ وجود قارب ينجرف بالقرب من الجزيرة،
فاقتربوا منه واكتشفوا وجود خمسة أشخاص على متنه،
بينهم طفلان وثلاثة بالغين. وسارع الأهالي إلى تقديم المساعدة لهم ونقلهم إلى الشاطئ،
لتنتهي بذلك رحلة التيه التي استمرت نحو ثلاثة أشهر.
ولم يتوقف دور السكان المحليين عند الإنقاذ،
بل استقبلوا الناجين وقدموا لهم الرعاية الأولية،
كما ساهم القائمون على إحدى الكنائس المحلية في توفير مكان لإقامتهم ومساعدتهم خلال الساعات الأولى بعد وصولهم إلى اليابسة،
في ظل الظروف الصحية الصعبة التي كانوا يعانون منها.
جفاف شديد وسوء تغذية.. نقل الناجين لتلقي العلاج
وكشفت المعلومات الطبية الأولية أن الناجين الخمسة وصلوا إلى الجزيرة وهم يعانون من الجفاف الشديد وسوء التغذية،
نتيجة الفترة الطويلة التي قضوها في البحر،
الأمر الذي استدعى تدخل الطواقم الطبية المحلية بصورة عاجلة.
وجرى تقديم السوائل الوريدية لهم ومتابعة حالتهم الصحية،
وأفادت مسؤولة التمريض في المنطقة بأن الناجين بدأوا يظهرون علامات تحسن تدريجي،
من بينها القدرة على الحركة والتفاعل وإبداء الرغبة في تناول الطعام. كما أوصى مسؤولون بنقلهم إلى جزيرة كيريتيماتي لتلقي رعاية طبية إضافية،
نظرًا لمحدودية الإمكانات الصحية ووسائل النقل المتاحة في جزيرة فانينغ النائية.
مصير أربعة أشخاص لا يزال مجهولًا
ورغم النهاية السعيدة لإنقاذ خمسة من ركاب القارب،
فإن الواقعة لا تزال تحمل جانبًا مأساويًا،
إذ كان على متن القارب تسعة أشخاص عند مغادرته ميكرونيسيا،
بينما لم يظهر سوى خمسة ناجين حتى الآن،
ولا تزال المعلومات المتعلقة بالأربعة الآخرين غير مؤكدة.
وأعرب حاكم ولاية تشوك في ميكرونيسيا،
ألكسندر نارون، عن ارتياحه للعثور على خمسة من المفقودين،
مؤكدًا استمرار الاهتمام بمصير الأشخاص الأربعة الذين لم يتم العثور عليهم.
كما أشار إلى بدء تحركات للتواصل مع حكومة كيريباتي من أجل تنسيق عودة الناجين إلى وطنهم بعد استكمال الإجراءات الطبية اللازمة.
وفي الوقت نفسه، طلب الناجون احترام خصوصيتهم وعدم الضغط عليهم للحديث عن تفاصيل التجربة التي مروا بها،
بينما تواصل عائلاتهم متابعة تطورات حالتهم الصحية وانتظار المزيد من المعلومات بشأن بقية المفقودين.
حادثة تعيد تسليط الضوء على مخاطر الرحلات البحرية الصغيرة
وأعادت الواقعة الاهتمام بمخاطر التنقل بالقوارب الصغيرة بين جزر المحيط الهادئ،
خاصة في المناطق التي تتغير فيها الأحوال الجوية بسرعة،
وتكون فيها المسافات البحرية طويلة مقارنة بالإمكانات المتاحة للإنقاذ والاستجابة للطوارئ.
وتؤكد الحادثة أهمية تجهيز القوارب بوسائل اتصال واستغاثة مناسبة،
ومتابعة نشرات الطقس قبل الإبحار،
وعدم الاستهانة بالعواصف البحرية حتى في الرحلات التي تبدو قصيرة.
كما تبرز الدور المهم الذي يمكن أن يؤديه السكان المحليون في إنقاذ الأرواح بالمناطق النائية التي يصعب وصول فرق الطوارئ إليها بسرعة.
وبينما يتلقى الناجون الرعاية الطبية بعد رحلة استثنائية من المعاناة،
تبقى الأنظار متجهة إلى مصير الأشخاص الأربعة الذين كانوا معهم على متن القارب،
في انتظار معلومات رسمية تكشف ما حدث لهم خلال الأشهر الماضية.


