تواجه العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة جديدة من التحولات،
بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه إنهاء المساعدات العسكرية السنوية المباشرة المقدمة إلى تل أبيب،
مع الإبقاء على التعاون في مجال بيع الأسلحة والمعدات الدفاعية،
وهو توجه قد يغير شكل الدعم الأمريكي لأحد أبرز حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط،
ويضع الحكومة الإسرائيلية أمام تحديات مالية وعسكرية متزايدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تبحث فيه الإدارة الأمريكية والجهات المعنية إمكانية الانتقال.
من نظام المساعدات المالية التقليدية إلى نموذج جديد يقوم على توسيع الشراكة في الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا العسكرية والإنتاج المشترك،
بدلًا من استمرار تقديم المنح المالية السنوية بالصورة المعتادة.
ترامب يعلن التوجه لإنهاء المساعدات السنوية
وكان ترامب قد أعلن في الثالث من نوفمبر الجاري أن الولايات المتحدة تعتزم وقف تقديم نحو 4 مليارات دولار سنويًا لإسرائيل خلال عام 2027،
مع استمرار واشنطن في بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لها.
وبرر الرئيس الأمريكي موقفه بأن إسرائيل أصبحت قادرة على تحمل نفقاتها الدفاعية بدرجة أكبر،
مشيرًا إلى أن استمرار تقديم هذه المبالغ يمثل عبئًا ماليًا،
فضلًا عن التحولات التي شهدها الرأي العام الأمريكي تجاه المساعدات المقدمة لإسرائيل.
ويأتي هذا الإعلان بعد سنوات من العمل باتفاق تعاون أمني بين البلدين، وُقع عام 2016،
وينص على تقديم مساعدات عسكرية بقيمة 38 مليار دولار على مدار عشر سنوات،
تشمل تمويل المشتريات العسكرية وبرامج الدفاع الصاروخي، وينتهي الاتفاق الحالي في عام 2028.
التزامات أسلحة بقيمة 10 مليارات دولار تزيد الأزمة تعقيدًا
وكشفت تقارير صحفية، نقلًا عن وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية أُرسلت إلى الكونجرس،
أن إسرائيل لديها طلبات شراء عسكرية من الولايات المتحدة تحتاج إلى تمويل إضافي يقدر بنحو 10 مليارات دولار بعد عام 2028،
لتغطية صفقات جرى الالتزام بها بالفعل.
وتثير هذه الالتزامات تساؤلات بشأن الجهة التي ستتحمل تكاليف المعدات والأسلحة المتعاقد عليها،
خاصة أن جزءًا من المشتريات العسكرية الإسرائيلية يعتمد على التمويل الأمريكي الذي يتيح لتل أبيب إبرام عقود تسليح قبل استكمال وصول الأموال والمعدات.
وبالتالي، فإن وقف المساعدات بصورة مفاجئة قد يضع الطرفين أمام معضلة تتعلق بكيفية تسوية العقود القائمة،
وما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية ستضطر إلى استخدام مواردها المالية الخاصة أو البحث عن مصادر تمويل بديلة لتغطية الالتزامات.
فجوة مالية تهدد ميزانية الدفاع الإسرائيلية
وفي إسرائيل، أثار الإعلان الأمريكي مخاوف بشأن تأثير وقف التمويل على الميزانية الدفاعية،
إذ تشير تقديرات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية إلى احتمال ظهور فجوة سنوية تصل إلى نحو 3.8 مليار دولار،
أي ما يعادل قرابة 12 مليار شيكل، إذا بدأ تنفيذ القرار اعتبارًا من يناير المقبل.
وتزداد حساسية هذه الفجوة في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري خلال السنوات الأخيرة،
واستمرار الحاجة إلى صيانة الطائرات والمركبات العسكرية وتجديد الذخائر وتعويض المعدات المستخدمة في العمليات العسكرية.
وتواجه وزارة الدفاع الإسرائيلية تحديًا إضافيًا يتمثل في ضرورة تأمين تمويل الصفقات المستقبلية دون التأثير على البرامج العسكرية القائمة،
وهو ما قد يدفع الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو زيادة المخصصات الدفاعية على حساب قطاعات أخرى.
التحول من المنح المالية إلى التصنيع العسكري المشترك
ومن بين السيناريوهات المطروحة لتغيير طبيعة العلاقة الدفاعية بين واشنطن وتل أبيب،
توسيع التعاون في إنتاج الأسلحة وتطوير الأنظمة الدفاعية والتكنولوجية بصورة مشتركة،
بما يمنح إسرائيل فرصًا أكبر للمشاركة في المشروعات الصناعية العسكرية الأمريكية.
ويستهدف هذا النموذج تقليل الاعتماد على التحويلات المالية المباشرة،
مع استمرار التعاون في مجالات التسليح والبحث والتطوير،
والاستفادة من الخبرات التكنولوجية لدى الطرفين.
لكن هذا التوجه يثير بدوره مجموعة من التساؤلات،
خاصة فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية للتقنيات العسكرية الإسرائيلية،
ومدى قدرة تل أبيب على الاحتفاظ باستقلالية قراراتها الدفاعية في ظل اندماج أكبر مع الصناعات العسكرية الأمريكية.
الكونجرس الأمريكي يمتلك دورًا حاسمًا
ورغم تصريحات ترامب بشأن إنهاء المساعدات، فإن تنفيذ أي تغيير كبير في الاتفاق القائم لا يعتمد على القرار الرئاسي وحده،
إذ يمتلك الكونجرس الأمريكي دورًا مهمًا في اعتماد التمويلات العسكرية ومراجعة الالتزامات المالية المرتبطة باتفاقات التعاون الأمني.
كما أن استمرار العقود العسكرية الموقعة مسبقًا يجعل عملية الانتقال إلى نظام جديد أكثر تعقيدًا،
إذ يتعين على واشنطن وتل أبيب تحديد مصير الطلبات القائمة وآليات تمويلها،
إلى جانب الاتفاق على شكل العلاقة الدفاعية خلال السنوات المقبلة.
مستقبل التحالف العسكري بين واشنطن وتل أبيب
وتكشف هذه التطورات عن احتمال دخول التعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلي مرحلة مختلفة،
لا تتوقف بالضرورة عند إنهاء المساعدات المباشرة، بل قد تمتد إلى إعادة تنظيم آليات التمويل والتسليح والإنتاج العسكري المشترك.
وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى تقليل اعتمادها المالي على الولايات المتحدة،
تحاول واشنطن إعادة تقييم تكلفة الدعم العسكري وطبيعته،
وسط تغيرات في المواقف السياسية داخل الولايات المتحدة وتصاعد النقاش بشأن حجم المساعدات الخارجية.
وتبقى القضية الأهم خلال الفترة المقبلة هي قدرة الطرفين على إيجاد صيغة انتقالية تحافظ على صفقات السلاح القائمة.
وتمنع حدوث فجوة تمويلية تؤثر على القدرات الدفاعية الإسرائيلية، دون أن تتحول إعادة هيكلة المساعدات إلى أزمة جديدة في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.


