تصدرت قضايا النمو الاقتصادي والاستقرار المالي ومخاطر الديون وارتفاع أسعار الطاقة جدول أعمال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، التي تستضيفها العاصمة التايلاندية بانكوك خلال الفترة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026، بمشاركة مسؤولين حكوميين ووزراء مالية ومحافظي بنوك مركزية وممثلين عن المؤسسات المالية الدولية.
وتأتي الاجتماعات في مرحلة يواجه فيها الاقتصاد العالمي مجموعة من التحديات المتشابكة، تشمل التوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الطاقة، وارتفاع تكاليف الاقتراض، إلى جانب التساؤلات المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي في الاستثمارات والإنتاجية وفرص العمل.
النمو العالمي بين الصمود والمخاطر المتزايدة
ناقش المشاركون قدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على معدلات نمو مستقرة، في ظل الضغوط التي تفرضها الأزمات الدولية واضطرابات التجارة وارتفاع تكاليف المعيشة في عدد من الدول.
وكان صندوق النقد الدولي قد رفع توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 إلى نحو 3.1%، وفق تقديراته المعلنة خلال الاجتماعات، لكنه أكد أن هذه النسبة تظل أقل من المتوسط التاريخي، وأن استمرار المخاطر قد يحد من قدرة الاقتصادات على تحقيق أداء أقوى.
ويرتبط مسار النمو خلال المرحلة المقبلة بعدة عوامل، من بينها تطورات الصراعات الدولية، واستقرار إمدادات الطاقة، واتجاهات التضخم وأسعار الفائدة، فضلًا عن قدرة الحكومات على تشجيع الاستثمارات ورفع الإنتاجية.
وتبرز أهمية هذه المؤشرات بالنسبة إلى الدول النامية التي تسعى إلى توفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة، بينما تواجه في الوقت نفسه احتياجات متزايدة للتمويل والإنفاق على الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
الديون العامة وأسعار الطاقة تحت مجهر المؤسسات المالية
احتلت مستويات الديون الحكومية وتكاليف التمويل جانبًا مهمًا من المناقشات، مع تزايد الضغوط على موازنات الدول التي تحتاج إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها وتمويل مشروعات التنمية.
وتزداد صعوبة إدارة هذه الالتزامات عندما ترتفع أسعار الفائدة أو تتراجع إيرادات الحكومات، وهو ما قد يحد من قدرتها على توجيه الموارد إلى قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
كما سلطت الاجتماعات الضوء على آثار الصراعات الدولية في أسواق النفط والغاز والغذاء، إذ يمكن لاضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والطاقة أن تنعكس على أسعار السلع الأساسية، وتزيد الأعباء على الأسر والشركات.
وفي هذا السياق، شدد رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، وزير المالية السعودي محمد الجدعان، على ضرورة مواصلة الحذر وتعزيز قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات، مع حماية الفئات الأكثر احتياجًا والحفاظ على الاستثمارات الداعمة للنمو.
ودعت المناقشات كذلك إلى زيادة الدعم للدول التي تواجه احتياجات تمويلية عاجلة بسبب تداعيات الحروب وارتفاع أسعار الطاقة.
الذكاء الاصطناعي يفتح فرصًا اقتصادية ويثير مخاوف جديدة
لم تقتصر الملفات المطروحة على القضايا التقليدية للسياسة المالية والنقدية، بل امتدت إلى تأثير التطور السريع للذكاء الاصطناعي في مستقبل الاقتصاد العالمي.
وتوفر هذه التقنيات فرصًا لتحسين الإنتاجية وتطوير الخدمات وتسريع الابتكار، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن استدامة بعض الاستثمارات، واحتمالات تغير سوق العمل، واتساع الفجوة التكنولوجية بين الاقتصادات المتقدمة والدول الأقل دخلًا.
وخلال الاجتماعات، حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا من أن التطورات التكنولوجية السريعة قد تزيد التفاوت بين الدول إذا لم تتمكن الاقتصادات النامية من الوصول إلى البنية التحتية الرقمية والتمويل والخبرات اللازمة للاستفادة منها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى سياسات تساعد على توسيع فرص الاستفادة من التكنولوجيا، وتطوير مهارات العاملين، وتحسين التعليم والتدريب، مع وضع أطر مناسبة لإدارة المخاطر المرتبطة باستخدام الأنظمة الذكية.
كما ناقش المشاركون أهمية جذب الاستثمارات الخاصة إلى القطاعات المنتجة، بما يسهم في توفير فرص العمل وتحسين مستويات الإنتاجية بدلًا من الاعتماد على الإنفاق الحكومي وحده.
الدول النامية تطالب بتمويل أكثر قدرة على مواجهة الأزمات
حظيت احتياجات الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل باهتمام واضح خلال الاجتماعات، في ظل ما تواجهه بعض هذه الدول من ضغوط مالية وصعوبات في الحصول على التمويل بشروط مناسبة.
وتتزايد أهمية هذه المسألة مع ارتفاع كلفة خدمة الديون وتعدد الاحتياجات التنموية، خصوصًا في الدول التي تتأثر سريعًا بتقلبات أسعار الغذاء والوقود أو تعتمد على واردات الطاقة.
وتحتاج هذه الاقتصادات إلى موارد تساعدها على مواصلة الإنفاق على الخدمات الأساسية وتنفيذ مشروعات التنمية دون تعريض الاستقرار المالي لمخاطر إضافية.
كما طرحت المناقشات مخاوف تتعلق باتساع فجوات الدخل والقدرة التكنولوجية بين الدول، مع مطالبات بتعزيز التعاون الدولي حتى لا تتحول التطورات الاقتصادية والرقمية إلى عامل إضافي لتعميق التفاوت.
وتبرز في هذا الإطار أهمية دور المؤسسات المالية الدولية في توفير التمويل والمشورة الفنية، ومساعدة الدول على تحسين إدارة الموارد العامة وتطوير بيئات الاستثمار ورفع القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
التعاون الدولي ضرورة لدعم الاستقرار المالي
أكدت المناقشات أهمية استمرار التنسيق بين الحكومات والبنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية، في ظل الترابط المتزايد بين الاقتصادات والأسواق العالمية.
ويشمل هذا التنسيق العمل على احتواء الاختلالات الاقتصادية، وتطوير سياسات مالية قابلة للاستمرار، وتحسين مناخ الاستثمار، إلى جانب الحفاظ على استقلالية البنوك المركزية وقدرتها على التعامل مع التضخم والتقلبات النقدية.
وشدد محمد الجدعان على أن صمود الاقتصاد العالمي أمام الصدمات لا يعني إمكانية تجاهل المخاطر، داعيًا إلى إعادة بناء الاحتياطيات المالية حيثما أمكن، مع استمرار الإنفاق الضروري الذي يدعم النمو ويحمي الفئات الأكثر تعرضًا للضغوط.
وفي المقابل، أقرت المناقشات المشتركة بوجود خلافات سياسية بين بعض المشاركين، لكنها انتهت إلى إصدار بيان لرئاسة اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية حظي بموافقة أعضائها، في إشارة إلى استمرار قنوات الحوار رغم التوترات الدولية.
بانكوك منصة لمناقشة مستقبل الاقتصاد العالمي
تكتسب استضافة تايلاند لهذه الاجتماعات أهمية إضافية، إذ تجمع الفعاليات مسؤولين وممثلين عن الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني، لمناقشة التحديات الاقتصادية وأولويات التنمية وفرص جذب الاستثمارات.
وتوفر اللقاءات فرصة لتبادل الرؤى بشأن السياسات التي يمكن أن تساعد الدول على تحقيق نمو أكثر استدامة، وتعزيز القدرة على مواجهة تقلبات الأسواق، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في تمويل المشروعات.
ومع اقتراب ختام الاجتماعات، تظل النتائج العملية مرهونة بقدرة المؤسسات والحكومات على تحويل التوصيات العامة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، سواء من خلال تحسين إدارة الديون أو توجيه الدعم إلى مستحقيه أو زيادة الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية.
وفي ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية والمالية، تتجه الأنظار إلى الخطوات التي ستتخذها الدول خلال الفترة المقبلة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز فرص النمو، والحد من آثار الأزمات على الفئات الأكثر احتياجًا.


