في خطوة تعكس استمرار الاهتمام الدولي باستقرار منطقة البلقان،
اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع قرارًا يقضي بتمديد تفويض قوة الاتحاد الأوروبي لتحقيق الاستقرار في البوسنة والهرسك «EUFOR Althea» لمدة 12 شهرًا إضافيًا،
وذلك خلال جلسة عقدها المجلس في نيويورك يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026.
وجاء القرار تحت الرقم 2834 لعام 2026،
بعد موافقة أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر،
ليؤكد استمرار الوجود الدولي المكلف بالمساهمة في الحفاظ على بيئة آمنة ومستقرة داخل البوسنة والهرسك،
ودعم تنفيذ الجوانب العسكرية من اتفاقية دايتون للسلام التي أنهت الحرب في البلاد عام 1995.
ويحمل التمديد أهمية سياسية وأمنية كبيرة،
في ظل استمرار التحديات الداخلية التي تواجه البوسنة والهرسك،
وتصاعد الخلافات بين القوى السياسية بشأن مستقبل مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها،
إلى جانب المخاوف من عودة التوترات القومية والانفصالية التي قد تهدد الاستقرار الذي تحقق خلال العقود الماضية.
ما مهام قوة الاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك؟
تُعد عملية «EUFOR Althea» إحدى أبرز أدوات الوجود الأمني الأوروبي في منطقة غرب البلقان،
وقد بدأت مهمتها في ديسمبر 2004،
عندما تسلم الاتحاد الأوروبي مسؤولية العملية العسكرية من قوات حلف شمال الأطلسي التي كانت تعمل في البلاد تحت اسم «SFOR».
وتتمثل المهمة الرئيسية للقوة في المساعدة على الحفاظ على الأمن والاستقرار،
ومراقبة تنفيذ الجوانب العسكرية لاتفاقية دايتون،
إلى جانب دعم المؤسسات الأمنية والعسكرية المحلية وتطوير قدراتها من خلال التدريب والتعاون المشترك.
وتعمل القوة بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن،
بما يمنحها إطارًا قانونيًا دوليًا لمواصلة مهمتها، ويساعد على منع أي تطورات قد تؤدي إلى تدهور الوضع الأمني أو تهديد السلام في البلاد.
اتفاقية دايتون.. أساس الاستقرار بعد الحرب
ترتبط أهمية القرار الجديد باتفاقية دايتون للسلام،
التي وُقعت عام 1995 وأنهت الحرب الدامية في البوسنة والهرسك،
وأرست نظامًا سياسيًا معقدًا يقوم على وجود دولة واحدة تتكون من كيانين رئيسيين،
هما اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صرب البوسنة،
مع ترتيبات دستورية لتقاسم السلطة بين المكونات المختلفة.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب،
لا تزال الخلافات السياسية والمؤسسية تشكل تحديًا أمام استقرار البلاد،
خصوصًا مع استمرار التباينات بشأن صلاحيات الحكومة المركزية ومستقبل الكيانات المكونة للدولة،
فضلًا عن الخطابات السياسية التي تثير مخاوف من النزعات الانفصالية.
وأكد الاتحاد الأوروبي في موقفه أمام مجلس الأمن ضرورة احترام سيادة البوسنة والهرسك ووحدة أراضيها ونظامها الدستوري،
داعيًا الأطراف السياسية إلى الابتعاد عن التصريحات والإجراءات التي قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات.
لماذا يحظى التمديد بأهمية دولية؟
يعكس تجديد التفويض رغبة المجتمع الدولي في الإبقاء على آلية أمنية قائمة لمنع تكرار الصراع،
خاصة أن منطقة غرب البلقان لا تزال تتأثر بتداعيات الانقسامات السياسية والتاريخية،
فضلًا عن التنافس على النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية.
كما أن استمرار مهمة «EUFOR Althea» يمنح المؤسسات المحلية مساحة أكبر لمواصلة بناء قدراتها الأمنية،
ويبعث برسالة بأن المجتمع الدولي لا يزال ملتزمًا بمساندة اتفاقية دايتون والحفاظ على المكاسب التي تحققت منذ انتهاء الحرب.
ويأتي القرار أيضًا في مرحلة تشهد فيها البوسنة والهرسك تحركات سياسية مرتبطة بالانتخابات العامة التي جرت في 4 أكتوبر 2026،
وسط دعوات أوروبية لتشكيل المؤسسات الجديدة والعمل على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لدفع مسار التقارب مع الاتحاد الأوروبي.
البلقان أمام اختبار جديد للاستقرار
يمثل تمديد تفويض القوة الأوروبية لمدة عام إضافي تطورًا مهمًا في مسار التعامل الدولي مع الملف البوسني،
لكنه لا يعني انتهاء الخلافات السياسية أو زوال المخاطر الأمنية بصورة نهائية.
فاستقرار البوسنة والهرسك يظل مرتبطًا بقدرة القوى السياسية على احترام مؤسسات الدولة والالتزام بالاتفاقيات القائمة،
إلى جانب استمرار التعاون بين الحكومة المحلية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
ومن المنتظر أن تظل مهمة «EUFOR Althea» إحدى الأدوات الأساسية لمتابعة الوضع الأمني خلال المرحلة المقبلة،
في وقت تسعى فيه المؤسسات الأوروبية والدولية إلى منع عودة التوترات وتعزيز فرص السلام والتنمية في منطقة البلقان.


