أكدت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية، القاضية اليابانية توموكو أكاني،
أن المحكمة ستواصل أداء مهامها القضائية رغم العقوبات الأمريكية والضغوط التي تتعرض لها المؤسسة وعدد من مسؤوليها،
مشددة على أن الإجراءات التي اتخذتها واشنطن لن تمنع المحكمة من مواصلة التحقيقات وملاحقة المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية، وفقًا للقانون والأدلة.
وجاءت تصريحات أكاني خلال عرض التقرير السنوي للمحكمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة،
يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، في كلمة مسجلة بالفيديو،
في سابقة لافتة منذ جائحة كورونا،
بعدما حالت العقوبات الأمريكية المفروضة عليها دون حضورها الشخصي إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
وقالت رئيسة المحكمة إن المؤسسة القضائية الدولية عازمة على مواصلة تنفيذ ولايتها دون الخضوع للتهديدات أو الضغوط السياسية،
مؤكدة أن عملها يستند إلى الاستقلالية والحياد،
وأن القرارات القضائية يجب أن تستند إلى القانون والأدلة بعيدًا عن الاعتبارات السياسية.
أكاني تنتقد العقوبات الأمريكية وتدعو المجتمع الدولي للتحرك
وخلال كلمتها أمام الجمعية العامة،
وجهت أكاني رسالة واضحة إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة،
مطالبة إياها باتخاذ خطوات عملية لحماية المحكمة الجنائية الدولية وضمان قدرتها على مواصلة عملها،
وعدم ترك المؤسسة تواجه الضغوط بمفردها.
واعتبرت أن العقوبات الأمريكية تمثل تهديدًا لاستقلال القضاء الدولي ومحاولة للتأثير على مؤسسة أنشئت لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم الأكثر خطورة،
مشيرة إلى أن حماية المحكمة لا تتعلق بالدفاع عن كيان قضائي فقط،
بل ترتبط أيضًا بالحفاظ على النظام الدولي القائم على سيادة القانون ومبدأ عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
كما شددت على أهمية استمرار التعاون بين الدول والمؤسسة القضائية،
خصوصًا فيما يتعلق بتنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة، مؤكدة أن الدول الأطراف في نظام روما الأساسي تتحمل التزامات قانونية في هذا الشأن.
واشنطن توسع العقوبات لتشمل المحكمة ومؤسساتها
وتأتي تصريحات رئيسة المحكمة في أعقاب تصعيد أمريكي ضد المحكمة الجنائية الدولية،
بعدما فرضت إدارة الرئيس دونالد ترامب عقوبات على المؤسسة نفسها في 9 أكتوبر 2026،
وذلك بعد سلسلة إجراءات استهدفت قضاة ومدعين عامين يعملون داخل المحكمة.
وتقول الإدارة الأمريكية إن إجراءاتها تستهدف ما تعتبره تجاوزًا لاختصاصات المحكمة في القضايا المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها،
ومن بينها التحقيقات المتعلقة بإسرائيل. وفي المقابل،
ترى المحكمة أن هذه العقوبات تستهدف مؤسسة قضائية مستقلة وتسعى إلى عرقلة عملها والتأثير على قدرتها في تنفيذ المهام الموكلة إليها.
وكانت المحكمة قد رفضت الإجراءات الأمريكية بصورة رسمية،
مؤكدة أنها ستواصل التحقيق والملاحقة القضائية في قضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان،
ودعت الدول الأعضاء إلى توفير الدعم المالي والعملي اللازم لضمان استمرار أنشطتها.
المحكمة تؤكد استمرار التحقيقات ومشاركة آلاف الضحايا
وفي استعراضها لأعمال المحكمة خلال الفترة الماضية،
أوضحت أكاني أن الإجراءات القضائية استمرت في مختلف مراحلها،
بداية من التحقيقات وإصدار أوامر القبض،
مرورًا بإجراءات تأكيد التهم والمحاكمات والاستئناف
وصولًا إلى ملفات تعويض الضحايا وجبر الأضرار.
وكشفت أن أكثر من 23 ألفًا و500 ضحية شاركوا في الإجراءات أمام المحكمة خلال الفترة التي يغطيها التقرير،
من بينهم أكثر من 7 آلاف ضحية في مرحلة التعويضات،
وهو ما يعكس استمرار العمل القضائي رغم التحديات السياسية والمالية التي تواجه المؤسسة.
وأشارت كذلك إلى وجود 34 مذكرة توقيف معلنة لا تزال قيد التنفيذ،
مؤكدة أن تعاون الدول يمثل عنصرًا أساسيًا في تمكين المحكمة من تنفيذ قراراتها وتحقيق أهدافها،
خصوصًا أن إصدار أوامر القبض وحده لا يكفي دون تعاون السلطات الوطنية المعنية.
الاتحاد الأوروبي ودول أخرى تجدد دعمها للمحكمة
وفي المقابل، أبدت أطراف دولية دعمها لاستمرار المحكمة الجنائية الدولية،
حيث شهدت جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة مواقف مؤيدة لدورها في حماية العدالة الدولية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الخطيرة.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل تصاعد الخلاف بين واشنطن والمؤسسة القضائية،
إذ تواجه المحكمة تحديات تتعلق بقدرتها على الوصول إلى الموارد المالية والخدمات المصرفية والتعاون الدولي،
وهي عوامل قد تؤثر على بعض أنشطتها إذا لم تحصل على دعم كافٍ من الدول الأعضاء.
وتعتمد المحكمة على تعاون الدول في تنفيذ قراراتها،
كما تحتاج إلى توفير الإمكانات اللازمة لاستمرار التحقيقات والمحاكمات وحماية الشهود ومساندة الضحايا،
وهو ما يجعل موقف الدول الأطراف عنصرًا حاسمًا في المرحلة المقبلة.
مستقبل العدالة الدولية أمام اختبار صعب
ويفتح التصعيد الأمريكي ضد المحكمة الجنائية الدولية نقاشًا واسعًا بشأن مستقبل المؤسسات القضائية الدولية وحدود تأثير الضغوط السياسية عليها،
خاصة أن المحكمة أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي عام 2002،
وتضم 125 دولة طرفًا، بينما لا تُعد الولايات المتحدة عضوًا فيها.
ويرى مراقبون أن استمرار الخلاف قد ينعكس على مستوى التعاون الدولي مع المحكمة،
ويضع الدول الأعضاء أمام مسؤولية أكبر في توفير الدعم اللازم لها، خصوصًا في القضايا التي تتطلب تعاونًا عابرًا للحدود لتنفيذ أوامر القبض وجمع الأدلة وملاحقة المتهمين.
وبين العقوبات الأمريكية والتمسك باستقلال القضاء الدولي،
تدخل المحكمة الجنائية الدولية مرحلة حساسة تتطلب موازنة دقيقة بين استمرار عملها والحفاظ على مواردها وشبكة تعاونها الدولي،
بينما تؤكد رئيستها أن المؤسسة لن تتخلى عن مهمتها،
وأنها ستواصل العمل وفقًا للقانون والأدلة، مهما كانت التحديات والضغوط.


