تشهد الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أكثر المواسم الانتخابية تكلفة في تاريخها،
بعدما سجل الإنفاق على الإعلانات السياسية خلال انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 مستويات قياسية بلغت نحو 11.6 مليار دولار،
في مؤشر واضح على حجم المنافسة المحتدمة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي،
وسعي كل طرف إلى حشد أكبر قدر ممكن من الدعم الشعبي والإعلامي قبل حسم السيطرة على مجلسي الكونجرس.
وتأتي هذه الأرقام بالتزامن مع توجه الناخبين الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء 3 نوفمبر،
وسط صراع سياسي واسع يتجاوز حدود المنافسة التقليدية على المقاعد،
ليشمل مستقبل السياسات الاقتصادية والتشريعية والإدارة الأمريكية خلال العامين المقبلين.
وبحسب تقديرات شركة «AdImpact» المتخصصة في تتبع الإنفاق الإعلاني السياسي،
فإن حجم الإعلانات التي جرى بثها أو حجزها خلال الدورة الانتخابية الحالية وصل إلى مستويات غير مسبوقة،
متجاوزًا ما سُجل خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2024، والتي بلغت نفقاتها الإعلانية نحو 11.2 مليار دولار،
وكذلك انتخابات التجديد النصفي لعام 2022 التي سجلت قرابة 8.9 مليار دولار.
لماذا ارتفعت تكلفة الانتخابات الأمريكية إلى هذا المستوى؟
ويرتبط الارتفاع الكبير في الإنفاق الإعلاني باتساع دائرة المنافسة بين المرشحين،
خصوصًا في الولايات التي تشهد سباقات متقاربة يمكن أن تحدد الحزب المسيطر على الكونجرس.
فقد تحولت الحملات الانتخابية إلى معركة إعلامية ضخمة تستخدم فيها الإعلانات التلفزيونية.
والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الناخبين والتأثير في اختياراتهم.
كما ساهمت زيادة تكلفة شراء المساحات الإعلانية،
واشتداد المنافسة على المقاعد الحساسة،
وتوسع دور اللجان السياسية المستقلة المعروفة باسم «سوبر باك» في دفع الإنفاق إلى مستويات قياسية،
حيث تعمل هذه الكيانات على تمويل حملات إعلامية لدعم مرشحين أو معارضة منافسيهم،
وفقًا للقواعد المنظمة للتمويل الانتخابي الأمريكي.
ولا يقتصر الإنفاق على إظهار البرامج الانتخابية،
بل يشمل أيضًا الحملات التي تستهدف التأثير في صورة المرشحين ومواقفهم من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،
وهو ما جعل الإعلانات عنصرًا رئيسيًا في إدارة المعركة الانتخابية.
تكساس وأوهايو وماين في صدارة السباقات الأكثر تكلفة
وتبرز عدة ولايات أمريكية باعتبارها ساحات رئيسية للإنفاق الانتخابي،
وفي مقدمتها تكساس وأوهايو وماين، بسبب شدة المنافسة على مقاعد مجلس الشيوخ،
واحتمالات تأثير نتائج هذه السباقات في موازين القوى داخل الكونجرس.
وتشير تقديرات AdImpact إلى أن الإنفاق الإعلاني المتوقع في تكساس اقترب من 850 مليون دولار،
بينما بلغ في أوهايو نحو 749 مليون دولار، مع توقعات بوصول الإنفاق في ولاية ماين إلى قرابة 491 مليون دولار.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاهتمام الذي توليه الأحزاب والجهات الداعمة للسباقات الانتخابية المتقاربة،
حيث يمكن أن يؤدي الفوز بمقعد واحد في بعض الولايات إلى تغيير الحسابات السياسية داخل مجلس الشيوخ،
وهو ما يفسر التدفق الكبير للأموال نحو الحملات المرتبطة بهذه الدوائر.
أصحاب الثروات الكبرى يدخلون على خط المنافسة
ومن أبرز ملامح الانتخابات الحالية اتساع دور كبار رجال الأعمال وأصحاب الثروات الضخمة في تمويل الحملات السياسية،
سواء من خلال التبرعات المباشرة أو عبر اللجان السياسية المستقلة التي تنفق مبالغ كبيرة على الإعلانات والدعاية الانتخابية.
وأشارت تقارير إعلامية أمريكية إلى مشاركة أسماء بارزة من عالم التكنولوجيا والمال في تمويل أنشطة انتخابية مرتبطة بالحزبين،
من بينهم إيلون ماسك وجورج سوروس وجيف ياس،
إلى جانب جهات اقتصادية ومجموعات ضغط تسعى إلى دعم مرشحين يتبنون توجهات تتوافق مع مصالحها.
وأثار هذا الحجم من التمويل نقاشًا متجددًا داخل الولايات المتحدة بشأن تأثير أصحاب الثروات الكبرى على العملية الديمقراطية،
ومدى قدرة الأموال الضخمة على توجيه النقاش العام أو منح بعض المرشحين أفضلية إعلامية على حساب منافسيهم.
الاقتصاد والسياسات الداخلية في قلب الدعاية الانتخابية
وتتركز الرسائل الإعلانية للمرشحين حول مجموعة من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطن الأمريكي،
وعلى رأسها ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والسكن والرعاية الصحية،
فضلًا عن قضايا الضرائب والهجرة وأمن الحدود والسياسة الخارجية.
ويحاول الجمهوريون الدفاع عن توجهات الإدارة الحالية وإقناع الناخبين بضرورة استمرار سياسات الحزب،
بينما يسعى الديمقراطيون إلى استثمار حالة الغضب أو عدم الرضا لدى بعض المواطنين بشأن الأوضاع الاقتصادية والقرارات الحكومية،
من أجل تحقيق مكاسب انتخابية واستعادة النفوذ داخل الكونجرس.
كما تلعب الإعلانات السياسية دورًا مهمًا في توجيه اهتمام الناخبين إلى قضايا بعينها،
من خلال حملات مكثفة تستهدف الولايات المتأرجحة والدوائر التي لا تزال نتائجها غير محسومة،
وهو ما يفسر ارتفاع الإنفاق بصورة أكبر في المناطق التي تشهد منافسة شديدة.
رقم قياسي يفتح النقاش حول مستقبل الانتخابات الأمريكية
ويعكس وصول الإنفاق الإعلاني إلى 11.6 مليار دولار تحولًا كبيرًا في طبيعة الحملات الانتخابية الأمريكية،
حيث أصبحت المنافسة تعتمد بصورة متزايدة على الموارد المالية والقدرة على إدارة الحملات الإعلامية الرقمية والتقليدية،
إلى جانب الحضور الميداني والتواصل المباشر مع المواطنين.
ويرى مراقبون أن تضخم الإنفاق يطرح تساؤلات بشأن مستقبل تمويل الانتخابات،
وحدود تأثير أصحاب الأموال واللجان السياسية في تشكيل الرأي العام،
خاصة مع تزايد اعتماد المرشحين على الإعلانات المدفوعة للوصول إلى شرائح واسعة من الناخبين.
ومع انتهاء التصويت وبدء ظهور النتائج،
ستتجه الأنظار إلى مدى قدرة هذه الحملات الضخمة على تحقيق أهدافها،
وما إذا كانت الأموال التي ضُخت في الدعاية ستنعكس على النتائج الفعلية،
أم أن اختيارات الناخبين ستتحدد بصورة أكبر وفقًا للأوضاع الاقتصادية ومواقفهم من أداء الإدارة الأمريكية.
وفي النهاية، لا تمثل انتخابات 2026 مجرد منافسة على مقاعد الكونجرس،
بل تكشف أيضًا عن حجم الأموال التي أصبحت تتحكم في المشهد السياسي الأمريكي،
وتؤكد أن المعركة الانتخابية باتت تمتد من صناديق الاقتراع إلى شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية،
في سباق مفتوح على النفوذ والسلطة وتوجيه الرأي العام.


