فتحت مراكز الاقتراع في جنوب أفريقيا أبوابها،
أمام ملايين الناخبين للمشاركة في الانتخابات المحلية،
التي تأتي في توقيت سياسي حساس يشهد تراجعًا في شعبية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي،
الحاكم تاريخيًا منذ انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994،
وسط تصاعد الاستياء الشعبي من تدهور الخدمات الأساسية وانتشار الفساد والجريمة وارتفاع معدلات البطالة.
وتحظى هذه الانتخابات باهتمام واسع داخل البلاد وخارجها،
باعتبارها اختبارًا جديدًا لمدى قدرة الحزب الحاكم على الاحتفاظ بنفوذه في المدن والبلديات،
بعد خسارته الأغلبية البرلمانية في الانتخابات الوطنية عام 2024،
واضطراره إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة أحزاب منافسة.
أكثر من 29 مليون ناخب يشاركون في الانتخابات المحلية
وأعلنت اللجنة الانتخابية المستقلة في جنوب أفريقيا تسجيل نحو 29.2 مليون ناخب للمشاركة في الانتخابات،
موزعين على 23 ألفًا و696 مركز اقتراع في مختلف أنحاء البلاد،
فيما جرى نشر نحو 188 ألف مسؤول انتخابي لتنظيم العملية والتأكد من سير التصويت وفق الإجراءات المعتمدة.
ويتنافس المرشحون على إدارة ثماني بلديات كبرى و44 مجلسًا محليًا على مستوى المناطق،
إلى جانب 205 مجالس بلدية محلية،
على أن تتولى المجالس المنتخبة لاحقًا اختيار رؤساء البلديات والمسؤولين عن إدارة الخدمات والمرافق العامة.
وبدأت عملية التصويت في السابعة صباحًا بالتوقيت المحلي،
ومن المقرر استمرارها حتى التاسعة مساءً، بينما ينتظر أن تعلن اللجنة الانتخابية النتائج النهائية خلال الأيام التالية،
عقب الانتهاء من فرز الأصوات ومراجعتها.
تراجع الخدمات الأساسية يشعل غضب الناخبين
وتأتي الانتخابات وسط حالة من الاستياء الشعبي بسبب مشكلات مزمنة تواجه عددًا من البلديات،
أبرزها انقطاع المياه والكهرباء، وتدهور شبكات الصرف الصحي،
وانتشار الحفر في الطرق، وتأخر جمع القمامة، فضلًا عن ارتفاع معدلات الجريمة والبطالة ونقص المساكن.
وأصبحت هذه الملفات من أبرز القضايا التي تشغل الناخبين،
خاصة في المناطق الفقيرة والتجمعات السكنية التي تعاني من ضعف البنية التحتية وصعوبة الحصول على الخدمات اليومية.
وفي مدينة جوهانسبرج، أكبر المراكز الاقتصادية في البلاد، تركزت المنافسة على مستقبل إدارة المدينة،
بعدما شهدت تغييرات متكررة في منصب رئيس البلدية خلال السنوات الماضية،
بالتزامن مع شكاوى السكان من أزمات المياه والكهرباء والطرق والخدمات العامة.
ويرى مراقبون أن تراجع مستوى الخدمات البلدية قد يؤثر بصورة مباشرة في اتجاهات التصويت،
خصوصًا أن الانتخابات المحلية ترتبط بحياة المواطنين اليومية أكثر من ارتباطها بالملفات السياسية الوطنية.
حزب المؤتمر الوطني الأفريقي يواجه اختبارًا صعبًا
ويخوض حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الانتخابات في ظل تحديات سياسية متراكمة،
بعدما تراجعت حصته من الأصوات إلى أقل من 50% في الانتخابات المحلية عام 2021،
ثم فقد أغلبيته البرلمانية في الانتخابات الوطنية عام 2024 للمرة الأولى منذ وصوله إلى الحكم عقب نهاية نظام الفصل العنصري.
وتشير استطلاعات الرأي المنشورة قبل التصويت إلى احتمال تراجع نسبة تأييد الحزب إلى أقل من 40%،
لكن هذه التقديرات لا تمثل نتائج نهائية، إذ تبقى الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع وعمليات الفرز الرسمية.
ويواجه الحزب منافسة من التحالف الديمقراطي وأحزاب أخرى،
من بينها حزب «أومكونتو وي سيزوي» الذي يقوده الرئيس السابق جاكوب زوما،
ويخوض الانتخابات المحلية للمرة الأولى، مع امتلاكه قاعدة دعم مهمة في إقليم كوازولو ناتال.
جوهانسبرج وديربان في قلب المنافسة السياسية
وتتصدر جوهانسبرج المشهد الانتخابي باعتبارها أكبر المدن ومركزًا اقتصاديًا رئيسيًا،
حيث تخوض هيلين زيلي، القيادية السابقة في التحالف الديمقراطي،
المنافسة على منصب رئيس البلدية، في مواجهة مرشحين من أحزاب أخرى تسعى إلى تغيير إدارة المدينة.
كما تحظى مدينة ديربان، التابعة لبلدية إيثيكويني،
باهتمام خاص بسبب المنافسة القوية التي يخوضها حزب جاكوب زوما،
في منطقة تتمتع فيها قوى سياسية مختلفة بقاعدة جماهيرية واسعة.
وتكشف هذه المنافسة عن تغيرات في الخريطة الحزبية داخل جنوب أفريقيا،
حيث لم يعد حزب المؤتمر الوطني الأفريقي قادرًا على الاعتماد على نفوذه التاريخي وحده لضمان الفوز في المدن الكبرى والبلديات المختلفة.
الحكومات الائتلافية تفرض تحديات جديدة على البلديات
ومن المتوقع أن تلعب التحالفات السياسية دورًا مهمًا في تشكيل الإدارات البلدية الجديدة،
خاصة إذا لم يتمكن أي حزب من الحصول على أغلبية مستقلة في عدد من المجالس.
وتشير البيانات إلى أن عشرات البلديات كانت تُدار بالفعل من خلال ائتلافات أو إدارات أقلية،
وهو ما أثار نقاشًا بشأن قدرة هذه الحكومات على اتخاذ قرارات مستقرة وتنفيذ مشروعات الخدمات والبنية التحتية.
وتتمثل أهمية الانتخابات المحلية في أنها لا تحدد فقط هوية المسؤولين المنتخبين،
بل تؤثر أيضًا في إدارة المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق وجمع النفايات والميزانيات المحلية،
وهي خدمات ترتبط بصورة مباشرة بمستوى معيشة السكان.
نتائج الانتخابات قد ترسم مستقبل المشهد السياسي قبل 2029
ولا تقتصر أهمية الانتخابات الحالية على إدارة البلديات،
إذ يمكن أن تقدم مؤشرًا مهمًا على اتجاهات الرأي العام قبل الانتخابات الوطنية المقبلة المقررة عام 2029،
كما قد تؤثر في التوازنات داخل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي،
خاصة مع اقتراب موعد اختيار قيادته الجديدة خلال عام 2027.
وبينما يترقب الشارع الجنوب أفريقي النتائج النهائية،
تظل القضايا المعيشية والخدمات الأساسية في مقدمة أولويات الناخبين،
وسط مطالب بتحسين أداء البلديات ومحاسبة المسؤولين عن أوجه القصور.
وتدخل جنوب أفريقيا بذلك مرحلة انتخابية مهمة،
تكشف عن حجم التغيرات التي يشهدها المشهد السياسي منذ فقدان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي أغلبيته البرلمانية،
فيما ستحدد نتائج التصويت طبيعة الإدارات المحلية والتحالفات التي ستقود المدن والبلديات خلال الفترة المقبلة.


