في رحلة استثنائية مليئة بالتحديات، استطاع الدكتور أحمد إبراهيم عثمان أن يحوّل ظروف الحياة الصعبة إلى دافع لتحقيق النجاح العلمي، بعدما بدأ مشواره في أعمال بسيطة بأجور محدودة، قبل أن يصبح باحثًا أكاديميًا وينشر أكثر من 150 بحثًا علميًا في مجالات الطاقة والاستدامة.
تبدأ الحكاية من قرية أم الحويطات، الواقعة وسط جبال الصحراء الشرقية في مصر، حيث نشأ أحمد في بيئة تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية. لم تكن المياه متاحة داخل المنازل بصورة منتظمة، كما عانى السكان من انقطاع الكهرباء، واضطرت الأسرة إلى الاعتماد على وسائل بدائية للإضاءة ليلًا.
وفي تلك الظروف، اعتاد أحمد منذ طفولته مساعدة أسرته، إذ كان يجلب المياه من أماكن بعيدة، بينما يعمل والده في مناجم الفوسفات لتوفير احتياجات المنزل. ولم تكن تلك الحياة سهلة، لكنها ساهمت في تشكيل شخصيته وتعليمه الصبر وتحمل المسؤولية.
السيول غيّرت مسار الأسرة
شهدت القرية عام 1997 سيولًا تسببت في تدمير منازل وأجبرت عددًا من الأهالي على مغادرتها، وكانت أسرة أحمد من بين الأسر التي انتقلت إلى مدينة سفاجا بحثًا عن بداية جديدة، خاصة بعد خروج والده إلى المعاش المبكر.
ومع الانتقال إلى المدينة، واجهت الأسرة تحديًا جديدًا يتمثل في بناء منزل يوفر لها الاستقرار. وشارك أحمد والده في صناعة أكثر من 100 ألف طوبة، في عمل شاق ترك آثارًا مؤلمة على يديه نتيجة التعامل المستمر مع الأسمنت.
وقد وصلت المعاناة في بعض الأوقات إلى درجة جعلته غير قادر على الإمساك بالطعام بسبب الالتهابات والجروح، فكانت والدته تساعده في تناوله. وظلت هذه التجربة واحدة من الذكريات التي يستحضرها كلما واجه صعوبة في مسيرته العلمية.
خمسة جنيهات يوميًا لم تكن نهاية الحلم
خلال دراسته الثانوية، اضطر أحمد إلى العمل في ورشة للرخام مقابل خمسة جنيهات يوميًا، ثم انتقل إلى العمل في ورشة للبلاط. وتعرض خلال تلك الفترة لإصابات وآلام جسدية، لكنه واصل دراسته رغم قسوة ظروفه.
كما عمل في ميناء سفاجا في نقل أمتعة المسافرين، وشارك في أعمال حفر الآبار، ثم التحق بالعمل في بوفيه الميناء، حيث كان يعد الشاي والقهوة للعاملين، منتظرًا في الوقت نفسه فرصة التعيين الأكاديمي التي سعى إليها.
ولم يكن يدرك زملاؤه في العمل أن الشاب الذي يقضي يومه في إعداد المشروبات كان ينتظر خطوة قد تنقله إلى عالم التدريس الجامعي والبحث العلمي.
وعندما تسلم خطاب تعيينه معيدًا في الجامعة، توجه إلى مديره لإبلاغه بالخبر. وكانت المفاجأة كبيرة، إذ استقبل المدير النبأ بسعادة واحتضنه، تقديرًا لما حققه الشاب من إنجاز رغم ظروفه الصعبة.
نتيجة دراسية محبطة تحولت إلى نقطة انطلاق
التحق أحمد بكلية العلوم في قنا، بعدما كان يتمنى دراسة الصيدلة. لكن بدايته الجامعية لم تكن سهلة، فقد واجه صعوبات دراسية، خاصة في الرياضيات، وجاءت نتائجه الأولى أقل من توقعاته.
وشعر بالإحباط إلى درجة أنه لم يستطع إخبار والده بالنتيجة وجهًا لوجه، فاتصل به من هاتف عمومي ليصارحه بما حدث. إلا أن رد والده، الذي عبّر فيه عن ثقته بقدرات ابنه، كان نقطة تحول مهمة في حياته.
منذ ذلك الوقت، قرر أحمد إعادة تنظيم حياته وتغيير أسلوب المذاكرة، فبدأت نتائجه تتحسن بصورة ملحوظة. وخلال السنوات الثلاث التالية، حقق تقديرات امتياز في 47 مادة من أصل 49، وتصدر دفعته، ليحصل على فرصة التعيين معيدًا بكلية العلوم.
خمس سنوات من المحاولات قبل أول إنجاز بحثي
لم يكن التفوق الجامعي كافيًا لضمان النجاح في البحث العلمي، إذ واجه أحمد مرحلة طويلة من المحاولات خلال عمله على رسالة الماجستير، التي تناولت إنتاج الوقود الحيوي باستخدام المخلفات الزراعية.
واستمرت هذه المرحلة قرابة خمس سنوات، وسط صعوبات في الوصول إلى نتائج قابلة للنشر العلمي. ورغم الإحباط الذي رافقه أحيانًا، لم يتخل عن هدفه في تطوير أبحاثه واكتساب خبرة أوسع في مجاله.
وجاءت نقطة التحول عندما أتيحت له فرصة التقدم لمنحة بحثية قصيرة في إنجلترا. وبعد الاستعداد للمقابلة واجتياز إجراءات الاختيار، حصل على المنحة التي فتحت أمامه بابًا جديدًا في مسيرته الأكاديمية.
إلى بريطانيا ومعه 17 جنيهًا إسترلينيًا فقط
في 27 فبراير 2012، خاض أحمد تجربة السفر بالطائرة للمرة الأولى في حياته، متجهًا من القاهرة إلى لندن. وكانت إمكاناته المالية محدودة للغاية، إذ وصل إلى بريطانيا ومعه 17 جنيهًا إسترلينيًا فقط، أنفق 13 جنيهًا منها على سيارة أجرة، ولم يتبق له سوى أربعة جنيهات.
لكن قلة المال لم تمنعه من العمل بجد داخل المعمل، حيث كان يقضي ساعات طويلة في إجراء التجارب ومتابعة الأبحاث، حتى امتد عمله في بعض الأيام إلى ما بعد منتصف الليل.
وخلال وجوده في بريطانيا، واجه أزمة جديدة بعدما علم أن التمويل المتاح للمنحة لا يكفي لاستكمال إقامته البحثية، وأن عودته إلى مصر أصبحت مطروحة. إلا أنه تمسك بفرصته، وأبدى استعداده للعمل في أي وظيفة شريفة تساعده على مواصلة الطريق.
وبفضل النتائج البحثية التي توصل إليها، حصل على فرصة مختلفة عندما عرض عليه مشرفه منحة دكتوراه ممولة بالكامل في جامعة كوينز بمدينة بلفاست، لتبدأ مرحلة جديدة من رحلته العلمية.
غسل الأطباق إلى جانب أبحاث الدكتوراه
بعد عودته إلى مصر وإتمام زواجه، سافر أحمد مع زوجته إلى أيرلندا الشمالية لاستكمال دراسته. غير أن المصروفات اليومية واحتياجات الأسرة فرضت عليه البحث عن مصدر دخل إضافي إلى جانب المنحة الدراسية.
وعمل في مطبخ الجامعة في غسل الأطباق لمدة ثلاث سنوات، بالتوازي مع دراسته وأبحاثه. وكان يضطر أحيانًا إلى إنهاء نوبته في الساعات الأولى من الصباح، قبل العودة إلى المعمل لمواصلة العمل الأكاديمي.
واستغل أوقات الراحة المتاحة له في قراءة الدراسات العلمية والتفكير في أفكار بحثية جديدة، محاولًا تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والدراسة ومسؤوليات الحياة الأسرية.
وكانت بعض الأيام أكثر قسوة من غيرها، خاصة خلال شهر رمضان، عندما تزامن الصيام الطويل مع الإرهاق الناتج عن مراجعة رسالة الدكتوراه والعمل لساعات ممتدة، لكنه واصل السعي حتى تجاوز تلك المرحلة.
من طالب مكافح إلى باحث صاحب إنتاج علمي واسع
تكللت سنوات الدراسة والعمل بالحصول على درجة الدكتوراه بتقدير متميز من جامعة كوينز في بلفاست، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية في المجال الأكاديمي والبحث العلمي.
ومع استمرار العمل وتطوير الأفكار البحثية، تجاوز إنتاجه العلمي 150 ورقة بحثية منشورة دوليًا، في مسيرة ارتبطت بقضايا الطاقة والاستدامة والاستفادة من الموارد والمخلفات بطرق أكثر كفاءة.
كما تعكس رحلته أهمية البحث العلمي في إيجاد حلول للتحديات المرتبطة بالطاقة، وتؤكد أن تطوير المعرفة يحتاج إلى الصبر والتجربة والتعلم المستمر، وليس إلى التفوق الدراسي وحده.
رسالة تتجاوز حدود النجاح الشخصي
لا تقتصر قصة الدكتور أحمد إبراهيم عثمان على الانتقال من وظيفة بسيطة إلى مكانة أكاديمية، بل تقدم مثالًا على قدرة الإنسان على مواصلة السعي رغم قلة الإمكانات وتعدد العقبات.
فمن طفولة في قرية تعاني نقص الخدمات، إلى العمل في ورش الرخام والبلاط وميناء سفاجا، ثم السفر إلى بريطانيا بإمكانات مالية محدودة، تكشف محطات حياته عن سنوات من العمل المتواصل والتضحيات الشخصية.
وتبقى أبرز دلالات هذه التجربة أن البدايات الصعبة لا تحدد بالضرورة النهايات، وأن الإخفاق في مرحلة من مراحل التعليم أو البحث قد يكون بداية لإعادة اكتشاف القدرات وتغيير المسار.
إنها حكاية شاب تمسك بالتعليم بوصفه طريقًا لتغيير مستقبله، واستطاع تحويل تجاربه القاسية إلى حافز للاستمرار، ليصبح ما حققه رسالة أمل لكل طالب وباحث يحاول الوصول إلى هدفه رغم صعوبة الطريق.


