كشفت دراسة علمية حديثة عن نتائج لافتة بشأن العلاقة بين تناول الفول السوداني وصحة التمثيل الغذائي،
بعدما توصل الباحثون إلى أن الدهون الناتجة عن استهلاكه ترتبط بانخفاض محتمل في خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني،
في اكتشاف يضيف معلومات جديدة حول دور الأغذية اليومية في دعم الصحة والوقاية من الأمراض المزمنة.
وتسلط الدراسة الضوء على أن فوائد الفول السوداني قد لا تقتصر على احتوائه على البروتين والدهون غير المشبعة والمعادن،
بل تمتد إلى تأثيره في تركيبة الدهون الموجودة داخل الدم،
وهي عوامل ترتبط بعمليات التمثيل الغذائي وتنظيم الطاقة داخل الجسم.
ونُشرت الدراسة في مجلة The American Journal of Clinical Nutrition،
بمشاركة باحثين من المعهد الألماني للتغذية البشرية وجامعة برشلونة ومؤسسات بحثية أخرى،
واعتمدت على الجمع بين تجربة تدخل غذائي وتحليل بيانات صحية طويلة الأمد.
كيف أجرى الباحثون الدراسة؟
اعتمد الباحثون على مرحلتين أساسيتين لفهم تأثير الفول السوداني في الجسم.
تمثلت المرحلة الأولى في تجربة غذائية شملت 63 شخصًا بالغًا من الأصحاء،
جرى توزيعهم على مجموعات تناولت الفول السوداني المحمص بقشرته أو زبدة الفول السوداني، إلى جانب مجموعة مقارنة.
واستمرت التجربة لمدة ستة أشهر،
مع تناول نحو 25 جرامًا يوميًا من الفول السوداني المحمص في إحدى المجموعات،
أو 32 جرامًا من زبدة الفول السوداني في مجموعة أخرى،
ثم أخذ الباحثون عينات الدم قبل التدخل الغذائي وبعده،
لرصد التغيرات التي طرأت على الدهون الموجودة في الدورة الدموية.
أما المرحلة الثانية، فاعتمدت على بيانات دراسة سكانية أوروبية طويلة الأمد تُعرف باسم EPIC-Potsdam،
وشملت عينات وبيانات مرتبطة بحالات الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية،
بهدف معرفة ما إذا كانت التغيرات المرتبطة بتناول الفول السوداني تتصل بمخاطر الإصابة بهذه الأمراض على المدى الطويل.
تغيرات في دهون الدم ترتبط بانخفاض خطر السكري
وأظهرت النتائج أن تناول الفول السوداني أحدث تغيرات في مجموعة من المركبات الدهنية الموجودة في الدم،
حيث رصد الباحثون تغيرات في 51 مجموعة من الأحماض الدهنية المرتبطة بأنواع مختلفة من الدهون،
وكان من أبرزها الدهون التي تحتوي على أحماض دهنية مشبعة طويلة السلسلة للغاية.
وأطلق الباحثون على النمط الناتج عن هذه التغيرات اسم «البصمة الدهنية للفول السوداني» (Peanut Lipidomic Signature)،
واستخدموه لدراسة العلاقة بين هذه التغيرات ومخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة.
وأظهرت التحليلات أن ارتفاع هذه البصمة الدهنية ارتبط بانخفاض متواضع في خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني،
حيث بلغ معدل الخطر 0.89 لكل زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذه البصمة،
مع بقاء النتائج ضمن نطاق ارتباط إحصائي محدود.
ويشير ذلك إلى وجود علاقة محتملة بين التغيرات الدهنية المرتبطة باستهلاك الفول السوداني وانخفاض احتمالات الإصابة بالسكري،
لكنه لا يعني أن تناول الفول السوداني وحده يمنع المرض أو يعالج المصابين به.
الوزن يلعب دورًا مهمًا في تفسير النتائج
ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن مؤشر كتلة الجسم قد يكون أحد العوامل.
التي تفسر العلاقة بين البصمة الدهنية للفول السوداني وانخفاض خطر السكري.
ووفقًا للتحليل الإحصائي الذي أجراه الباحثون،
فإن مؤشر كتلة الجسم قد يفسر جزءًا كبيرًا من هذه العلاقة،
وهو ما يفتح المجال أمام دراسات إضافية لفهم كيفية ارتباط التغيرات في الدهون الموجودة بالدم بوزن الجسم وصحة التمثيل الغذائي.
ويُعد هذا الجانب مهمًا لأن زيادة الوزن والسمنة من العوامل المعروفة المرتبطة بارتفاع احتمالات الإصابة بالسكري من النوع الثاني،
ولذلك فإن فهم العلاقة بين النظام الغذائي والوزن وتركيبة الدهون في الدم قد يساعد في تطوير توصيات غذائية أكثر دقة مستقبلًا.
هل يحمي الفول السوداني القلب أيضًا؟
على الرغم من النتائج المرتبطة بالسكري، لم تجد الدراسة ارتباطًا واضحًا بين البصمة الدهنية للفول السوداني وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وسجل التحليل الخاص بأمراض القلب معدل خطر بلغ 1.01،
مع نطاق ثقة إحصائي لم يُظهر علاقة ذات دلالة واضحة،
وهو ما يعني أن النتائج لم تقدم دليلًا على وجود تأثير وقائي مباشر في هذا الجانب ضمن البيانات التي جرى تحليلها.
ويؤكد ذلك أهمية التعامل مع نتائج الأبحاث بصورة دقيقة،
وعدم تعميم أي فائدة غذائية على جميع الأمراض أو اعتبارها دليلًا قاطعًا على الوقاية منها.
ما القيمة الغذائية للفول السوداني؟
يحتوي الفول السوداني على مجموعة من العناصر الغذائية التي تجعله خيارًا مناسبًا ضمن نظام غذائي متوازن،
فهو مصدر للبروتين النباتي والدهون غير المشبعة والألياف،
كما يحتوي على المغنيسيوم والفوسفور والبوتاسيوم وبعض المركبات النباتية المفيدة.
وتساعد الدهون غير المشبعة عند استخدامها بدلًا من مصادر الدهون الأقل جودة غذائيًا في تحسين نمط التغذية العام،
كما يمكن أن تسهم الألياف والبروتين في تعزيز الشعور بالشبع.
ومع ذلك، يظل الاعتدال ضروريًا، لأن الفول السوداني مرتفع نسبيًا في السعرات الحرارية،
كما أن الأنواع المملحة أو المغطاة بالسكر قد تضيف كميات غير مرغوبة من الصوديوم أو السكريات إلى النظام الغذائي.
هل يُنصح بتناول الفول السوداني لمرضى السكري؟
تشير النتائج إلى أن الفول السوداني يمكن أن يكون جزءًا من نظام غذائي متوازن،
لكن الدراسة لا تثبت أنه علاج للسكري أو بديل عن الأدوية الموصوفة أو المتابعة الطبية.
ويمكن للأشخاص المهتمين بالتغذية الصحية اختيار الفول السوداني الطبيعي أو المحمص دون إضافة كميات كبيرة من الملح أو السكر،
مع مراعاة الكمية المناسبة لاحتياجاتهم اليومية.
أما الأشخاص المصابون بحساسية الفول السوداني،
فعليهم تجنبه بسبب احتمالات حدوث تفاعلات تحسسية قد تكون خطيرة،
كما ينبغي لمرضى السكري مراعاة إجمالي السعرات والكربوهيدرات والدهون ضمن خطتهم الغذائية.
نتائج واعدة تحتاج إلى مزيد من الأبحاث
وتقدم الدراسة إضافة مهمة إلى الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين الغذاء وصحة التمثيل الغذائي،
إذ تكشف عن ارتباط محتمل بين تناول الفول السوداني والتغيرات التي تحدث في تركيبة الدهون الموجودة في الدم،
وما قد يرتبط بها من انخفاض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
لكن محدودية عدد المشاركين في التجربة الغذائية، وطبيعة التحليل السكاني المستخدم،
تعني أن النتائج تحتاج إلى مزيد من الدراسات والتجارب الأكبر لتحديد التأثير بصورة أكثر دقة،
ومعرفة الكميات والأنماط الغذائية الأكثر ارتباطًا بالفوائد المحتملة.
وتؤكد النتائج في النهاية أن الوقاية من السكري تعتمد على مجموعة متكاملة من العوامل،
تشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني والحفاظ على وزن صحي والفحوصات الدورية،
وليس على تناول نوع واحد من الطعام مهما كانت فوائده الغذائية.


